المرتضى في قراءة هادئة لمضمون بيان وقف إطلاق النار: سقطات وأفخاخ ومواطن القصور.

عاجل

الفئة

shadow


ابدى الوزير السابق محمد وسام المرتضى  ملاحظاته على مضمون بيان وقف اطلاق النار، من زاويةٍ قانونيةٍ وسياسية. وذلك بعد قراءةٍ معمّقة له، وجاء في تقيب المرتضى ما يلي:
"يُسجّل على مضمون البيان الذي إنتشر أوّل أمس متناولاً ما سميّ بنود اتفاق بين لبنان واسرائيل حول وقف اطلاق النار  أنّه جاء غير متوازنٍ من الناحية القانونية والسياسية، فهو يركّز بصورة أساسية على إلتزامات مفروضة على لبنان، في حين أنه لا يتضمن التزاماً واضحاً ومقابلاً من جانب الكيان الإسرائيلي بالانسحاب الكامل من جميع الأراضي اللبنانية التي لا تزال تحتلها أو تتمركز فيها. وهذا الخلل ليس مجرد قصورٍ في الصياغة، بل قد يُستخدم لاحقاً وكأنّه قبول لبناني ضمني بتأجيل أولوية وقف إطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي، أو بتهميش حقّ النازحين في العودة الآمنة إلى قراهم وممتلكاتهم. فقرار مجلس الأمن رقم 1701 لم يقم على تحميل طرفٍ واحدٍ كلَّ الالتزامات، بل على توازنٍ واضحٍ بين وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني في الجنوب، وانسحاب القوات الإسرائيلية خلف الخط الأزرق.
وفي ما يلي تفنيدٌ لمواطن الخلل والخطورة والقصور في البيان المذكور:
أوّلاً- اختلال مبدأ التوازن في الالتزامات:
الاتفاق لغةً وقانوناً لا يكون الاّ متوازناً، فلا يلقي موجبات على أحد طرفيه فقط، بل يولّد حقوقاً متقابلة ويفرض موجباتٍ متوازنة وفي الغالب متزامنة. والأهم أنّ وقف اطلاق النار يكون متبادلاً ومتزامناً وفورياً ويأتي كخطوة تمهيدية للشروع في عملية تفاوض سياسية دبلوماسية سعياً لحلّ النزاعات القائمة؛ أمّا في الإتفاق الذي تحدّث عنه هذا البيان فلم تلتزم اسرائيل بوقف اطلاق النار بل ظهرت وكأنّها الطرف الذي ينتظر تنفيذ لبنان شروطاً موضوعة لصالحها، اذْ جاء فيه:"ويشترط وقف إطلاق النار ...إجلاء جميع عناصر الحزب من قطاع الليطاني الجنوبي" أي أنّ اسرائيل ومن وراءها ومن معها جعلوا وقف اطلاق النار مشروطاً بإجلاء جميع عناصر المقاومة من "قطاع  جنوب الليطاني الجنوبي" فكيف يستقيم هذا الشرط والعدوّ لم يتعهّد بالمقابل بانسحابٍ أو بإجلاء متزامن لجنوده من المنطقة التي يحتلها راهناً؟! وكيف يستقيم أن يُفرض على المقاومة أن تنكفىء والإحتلال ما زال موجوداً؟! وكيف يتمُّ القبول بشيءٍ لم يستطع الإسرائيلي أن يحقّقه على الرغم من كلّ همجيّة عدوانه ووحشية آلته العسكرية؟!
ثانياً- إشكالية المصطلحات الجغرافية المستحدثة:
 مما يستوقف القارىء العادي أنّ البيان تضمّن مفرداتٍ جديدة من مثل عبارة "قطاع الليطاني الجنوبي"، بدلاً من الإشارة الدقيقة إلى المنطقة المعرّفة في القرار 1701، أي المنطقة الواقعة بين الخط الأزرق ونهر الليطاني. فاعتماد تعابير جديدة وغير منضبطة قد يفتح الباب أمام تفسيرات جغرافية مرنة أو موسّعة، خصوصاً إذا ارتبطت لاحقاً بعبارة "مناطق تجريبية". ولا يجوز للبنان أن يقبل باستبدال مفردات القرار 1701 بمصطلحات جديدة قد تؤدي، مع الوقت، إلى تغيير نطاق الالتزامات أو حدود الانتشار الأمني أو حتى طبيعة المنطقة المعنية.
ثالثاً- إشكالية مفهوم "المناطق التجريبية":
 اسّس البيان لما اسماه ب" المناطق التجريبية" .....(علماً بأنّنا جرّبنا هذا العدوّ قبلاً وآخر ذلك في الخمسة عشر شهراً بعد تفاهم العام 2024 فلماذا الذهاب الى تجربته مجدداً؟!)  وما هي المدة الزمنية التي سوف تستغرقها هذه الآلية التجريبية؟! من نافل القول أنّه كان يجب التحفّظ على هذه العبارة التي لا تنتمي إلى لغة القرار 1701، ولا إلى مفهوم الخط الأزرق، ولا إلى مبدأ الانسحاب الكامل. وقد تسمح بإنشاء مناطق أمنية مرحلية أو مجزّأة، وكأنّ السيادة اللبنانية تعود بالتدريج منطقةً بعد منطقة، بدل أن تكون حقاً كاملاً وفورياً للدولة اللبنانية على كامل أراضيها. والأخطر أن هذه العبارة قد تُستخدم لتبرير بقاء إسرائيل في مناطق أخرى بحجة أنها لم تدخل بعد ضمن آليّات التجريب.
رابعاً- التحديد المنقوص للسيادة اللبنانية:
كذلك، يتحدث البيان بمعرض تناوله للمنطقة التجريبية عن "سيطرة كاملة للقوات المسلحة اللبنانية"، وهذه عبارة صحيحة من حيث المبدأ، لكنها تبقى ناقصة وخطيرة إذا لم تشمل ايضاً انسحاب إسرائيل ومنع أي انتهاك من قبلها للسيادة اللبنانية. فالسيادة معنيةٌ ايضاً بمنع الاحتلال، وبمنع خرقه للأجواء اللبنانية وبمنع الاغتيالات والتوغّلات، وبمنع فرض أحزمة أمنية أو نقاط احتلال داخل لبنان. أما الصياغة الحالية فتجعل السيادة اللبنانية منحصرةً بخدمة العدو وتنصبُّ على سلاح المقاومة فقط وكأنّه لا صلة لها بمواجهة ما تقوم به اسرائيل من احتلال وخرق واغتيالات.
خامساً- ابتزاز لبنان:
وتبرز سقطةٌ أخرى تمثّلت بعدم التحفّظ على العبارة الناطقة: "ستُمكّن هذه الخطوات من إحراز تقدم نحو اتفاق شامل للسلام والأمن". فهذه العبارة قد تُفهم على أن الإجراءات الأمنية الداخلية، ومنها نزع السلاح، هي الطريق أو الشرط للوصول إلى "اتفاق سلام شامل". وهذا الربط كان يجب أن يتحفّظ عليه لبنان بوضوح، لأنَّ وقف إطلاق النار، والانسحاب الإسرائيلي، وعودة السكان، ليست أثماناً لاتفاق سلام مزمع، بل هي حقوق وواجبات قائمة بذاتها بموجب القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية. 
سادساً- محاولة نفي العدوانية الإسرائيلية :
وتبرز سقطة اضافية تمثّلت بالموافقة على عبارة: " إن إسرائيل ولبنان أكدا عدم وجود أي نية عدائية بينهما". قد تبدو هذه العبارة إيجابية في ظاهرها، لكنها تصبح خطيرة إذا لم تقترن بتحفّظ لبناني واضح على الاحتلال والخروقات والاعتداءات والتصريحات الرسمية عن وزراء في الحكومة الاسرائيلية الحالية. فكيف يمكن الحديث عن غياب النيّة العدائية لدى اسرائيل في ظلّ وجود أراضٍ لبنانية محتلّة أو متنازع عليها، وقرى مدمرة أو مهجّرة، وسكان ممنوعين من العودة وتصريحات عن رسميين اسرائيليين بالسعي الى الاستيطان؟ كان الأصحّ أن يقال إن لبنان لا يسعى إلى الحرب، لكنه يتمّسك بحقّه الكامل في حفظ سيادته وتحرير أرضه وصونها وحماية شعبه، وفي إنهاء أيّ احتلال أو وجود عسكري إسرائيلي.
سابعاً- عدم تفنيد "القضايا العالقة":
كما أن البيان يتحدث عن "حل جميع القضايا العالقة" من دون أن يسّمي هذه القضايا. وهذا الغموض لا يخدم لبنان. كان يجب أن تُذكر القضايا العالقة بصورة واضحة، وفي مقدمتها الانسحاب الإسرائيلي الكامل، النقاط الحدودية المتحفّظ عليها، مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، الجزء الشمالي من بلدة الغجر، الخروقات الجوية والبرية والبحرية، ملف الأسرى، تعويض الأضرار، وعودة السكان المهجرين إلى قراهم وممتلكاتهم. فعدم تسمية هذه القضايا قد يسمح لاحقاً بحصر النقاش في الترتيبات الأمنية التي تخدم الأجندة الإسرائيلية، وإهمال جوهر المشكلة المرتبط بالأطماع المعلن عنها والاحتلال والحقوق اللبنانية.
 ثامناً- محاولة جعل مسألة حصر السلاح التزاماً لبنانياً تجاه اسرائيل:
 كذلك، يتبنى البيان عبارة "تفكيك الجماعات المسلحة غير الحكومية ومنع عودتها للظهور" بصيغة عامة ومطلقة، من دون ربط ذلك بسيادة الدولة اللبنانية، وبانسحاب إسرائيل، وبمعالجة وطنية داخلية تتم من خلال المؤسسات الدستورية اللبنانية. صحيح أن حصر السلاح بيد الدولة يمثّل مسألة اساسية مرتبط بالسيادة، لكن الخطر يكمن في أن تُصاغ هذه المسألة كالتزام دولي مباشر ومفتوح ملقى على عاتق لبنان تجاه إسرائيل، لا كقرار سيادي لبناني يُنفذ وفق الدستور والمصلحة الوطنية والسلم الأهلي.
تاسعاً- محاولة الإستفراد بالجنوب اللبناني وجعل لبنان في حالة انحياز:
 ومما يستوقف القارىء ايضاً كل ذلك الجهد الوارد في البيان لعزل ما يجري في لبنان عن مشروع الولايات المتحدة الاميركية واسرائيل في المنطقة، وبلدنا منها، وصراعهما بمعرض مشروعهما هذا مع ايران...هل من عاقلٍ يصدّق أن هذا اتى بفعل حرصٍ  على السيادة اللبنانية؟! أم من الواضح أنه لا يعدو أن يكون محاولةً لاستفراد الجنوب اللبناني تحديداً والحؤول دون استفادته من التداعيات الإيجابية للتبدّل في موازين القوى اقليمياً؟! ثم ما الغاية من تضمين البيان هذه المسألة فيتحوّل بذلك من بيانٍ يفترض أن يسعى لبنان من خلاله الى تحقيق وقف اطلاق النار واستعادة السيادة اللبنانية إلى بيان ذي طابع سياسي يجعل لبنان في مركز المنحاز اقليمياً الى المشروع الاميركي الإسرائيلي ضدّ ايران؟!
عاشراً- عدم التحفّظ على محاولة اسرائيل التنصّل من احترام أمن لبنان وسيادته:
   ومن السقطات أيضاً أنّ الوفد اللبناني لم يتحفّظ على العبارة  التي أوردتها اسرائيل والناطقة :" وأكدت إسرائيل مجددًا أن أمنها واحترام وحدة أراضيها لا يمكن تحقيقهما إلاّ من خلال نزع سـ ـلاح حزب الله وتفكيك بنيته التحتية في جميع أنحاء لبنان". وكان يقتضي أن يستوقفه أنَّ اسرائيل بهذه العبارة لا تكون قد التزمت الاّ بأمنها ووحدة اراضيها فقط.... اي انّها ووفق المفهوم العكسي للتفسير قد تنصّلت ضمنياً من الإلتزام باحترام أمن لبنان ووحدة اراضيه.
حادي عشر- عدم التحفّظ، ومن ثمّ التسليم مع اسرائيل، في تحديدها من هو عدوّ لبنان ومن هو صديقه:
 أمّا "ثالثة الأثافي" فكانت في عدم تحفّظ الوفد اللبناني على العبارة الواردة في البيان نقلاً عن الوفد الإسرائيلي والناطقة بأنّ "حزب الله عدوٌّ للبنان" ....ونسأل بقلبٍ باردٍ وموضوعي: كيف استساغ الوفد اللبناني عدم التحفّظ على هذه العبارة؟! و الا يشكّل عدم تحفّظه تماهياً مع الموقف الإسرائيلي؟! وكيف نسمح لأنفسنا كلبنانيين أن يسمح بعضنا لاسرائيل، وهي عدوّة الإنسانية جمعاء في وجدان غالبية أهل الكوكب، أن تصنّف، بحضورنا، المقاومة بأنها عدوٌّة للبنان؟!...... وكيف لاسرائيل أن تحدّد في ذلك البيان، دون أدنى تحفّظٍ من الوفد اللبناني، من هو الصديق ومن هو العدو بالنسبة لنا؟!
 الم يجد أحدٌ من أعضاء ذلك الوفد عضاضةً في هذه العبارة التي وردت في البيان؟! الم يشعر بأنّها قد تجعل البيان أداة انقسامٍ داخلي، وتضع الدولة اللبنانية في مواجهة جزءٍ من مواطنيها أو بيئتها الداخلية، بدل أن تبقى في موقع المرجعية الجامعة التي تعالج مسألة السلاح والسيادة من خلال المؤسسات الدستورية والقانونية؟!
ثاني عشر – عدم التحفّظ على عبارة من شأنها اعطاء الغطاء لاسرائيل لأعمال عدوانية في كل لبنان:
 ومن السقطات ايضاً عدم التحفّظ على العبارة التي تقول إنَّ أمن إسرائيل واحترام وحدة أراضيها لا يتحققان إلاّ من خلال نزع سلاح حزب الله وتفكيك بنيته التحتية في جميع أنحاء لبنان. هذه العبارة هي على درجة عالية من الخطورة، اذْ نسلّم بها لإسرائيل، بصورة غير مباشرة، بمصلحتها الأمنية على كامل الأراضي اللبنانية. وهذا قد يُستخدم لاحقاً لتبرير ضربات في بيروت أو البقاع أو الشمال بحجة وجود بنى تحتية. لذلك كان يجب رفض أي صياغة تعطي إسرائيل حقاً، ولو غير مباشر، في مراقبة الداخل اللبناني أو استهدافه أو فرض شروط أمنية عليه. وكان بالأجدى بكلّ حريصٍ على عدم منح الذرائع للعدوّ أن يكون حريصاً على عدم منحه هذه الإمكانية تحديداً.

ثالث عشر- تغييب ملف النازحين وإعادة الإعمار:
ومن أبرز نقاط الضعف أيضاً التغييب الكلّي لحقوق النازحين. فالبيان يتحدث عن الأمن والسيادة والترتيبات العسكرية، لكنه لا يتحدّث بوضوح عن حقّ السكان في العودة إلى قراهم، ولا عن إعادة الإعمار، ولا عن التعويض، ولا عن حماية الممتلكات، ولا عن إزالة مخلّفات الحرب، ولا عن منع تحويل القرى الحدودية إلى مناطق عازلة. وهذا قصورٌ فاضح ، لأنّ أيّ ترتيب لا يضع حقوق النازحين في الصدارة يبقى تسويةً أمنيةً ناقصة، وقد تُستخدم لتثبيت واقع تهجيري جديد.
خلاصة القول، إنّ الإشكالية الأساسية في هذا البيان لا تكمن في تفصيل هنا أو عبارة هناك، بل في الفلسفة التي تحكمه برمّتها. فهو لا ينطلق من مبدأ التوازن بين الحقوق والالتزامات، ولا من قاعدة التلازم بين وقف الاعتداءات الإسرائيلية وبين الإجراءات المطلوبة من لبنان، بل يبني مقاربته على تحميل لبنان وحده أعباء التنفيذ، فيما يُبقي الاحتلال الإسرائيلي خارج دائرة الالتزامات الفعلية والواضحة.
والأخطر من ذلك أنّ البيان لا يكتفي بتجاهل أولوية الانسحاب الإسرائيلي واستعادة السيادة الكاملة وعودة النازحين إلى قراهم، بل يتضمن عبارات ومفردات جديدة قد تُستخدم مستقبلاً لإعادة تعريف الوقائع القانونية والسياسية على الأرض بما يخدم الرؤية الإسرائيلية للأمن والحدود والترتيبات الداخلية اللبنانية.
إنّ أي وقفٍ حقيقي لإطلاق النار لا يمكن أن يقوم على اختلال في الحقوق والواجبات، ولا على تحويل السيادة اللبنانية إلى مسألة داخلية مرتبطة حصراً بالسلاح، مع التغاضي عن الاحتلال والخروقات والاعتداءات. 
ومن هنا، فإنّ المطلوب ليس التسليم بصيغ ملتبسة أو القبول بترتيبات ناقصة، بل التمسك بمبدأ واضح وبديهي: لا استقرار دائماً من دون انسحاب كامل، ولا سيادة فعلية مع استمرار الاحتلال الذي لا يجوز أن يحقّق من خلال المفاوضات ما عجز وما برح يعجز عن تحقيقه في الميدان."

الناشر

هدى الجمال
هدى الجمال

shadow

أخبار ذات صلة